بابتسامته المعهودة ووجهه البشوش، حل عداء نادي برشلونة إلياس فيفا ضيفاً على موقعنا العربي في ملعب الكامب نو، حيث خصَّنا بطل إسبانيا وأوروبا في مسافة 5000 متر بمقابلة حصرية تحدث فيها عن بداية قصته مع ألعاب القوى وذكرياته الأولى بقميص البلاوغرانا وسر السرعة النهائية التي أكسبته الذهب الأوروبي أمام ذهول المراقبين.

كما استحضر ابن السابعة والعشرين الأجواء الاحتفالية التي يشهدها مسقط رأسه، المغرب، خلال مباريات الفريق الكتالوني عموماً وبمناسبة مواجهات الكلاسيكو على وجه التحديد.

من مواليد مدينة طنجة المُطلة على شواطئ إقليم الأندلس، التحق العداء الإسباني من أصل مغربي بصفوف نادي برشلونة سنة 2012 قادماً إليه من جمعية كتالونيا لألعاب القوى، حيث تطور أداؤه بشكل كبير منذ ذلك الحين ليتمكن من تحسين توقيته في مسافة 5000 متر بـ15 ثانية كاملة، قبل أن يعتلي عرش القارة العجوز في بطولة أوروبا التي استضافتها أمستردام الهولندية الصيف الماضي.

وقال إلياس في معرض حديثه "أشعر بالفخر والاعتزاز عندما أركض بقميص برشلونة. أنا وجميع أفراد عائلتي وأغلب أصدقائي نشجع البلوغرانا منذ الطفولة"، مضيفاً أن النادي الكتالوني "يحظى بشعبية واسعة في جميع دول المنطقة العربية، وبشكل خاص في المغرب"، نظراً للقرب الجغرافي مع إسبانيا، موضحاً في الوقت ذاته أن "المقاهي تغص بالجماهير خلال مباريات برشلونة، وخاصة عندما يواجه ريال مدريد في الكلاسيكو".

بداية متأخرة

خلافاً لما قد يعتقده البعض، لم يشرع إلياس في ممارسة الركض إلا بعد بلوغه التاسعة عشرة من العمر، أي بعد عامين من وصوله إلى إسبانيا سنة 2006. وأوضح فيفا خلال حديثه معنا أنه لم يكن يركض في البداية بهدف احتراف ألعاب القوى بل فقط من أجل الحفاظ على رشاقته والعناية بصحته، معتبراً أن ذلك كان سبيلاً للابتعاد عن طريق الانحراف في المراحل المتقدمة من سن المراهقة.

ومع مرور الوقت، اكتشف إلياس موهبته في العدو وقدرته على تحمل مشاق المسافات الطويلة، ليقرر المشاركة في مختلف البطولات المحلية بمدينة برشلونة ومنطقة كتالونيا عموماً، إلى أن وجد نفسه يعتلي منصة التتويج في سباق نوبارِّيس، وهي اللحظة التي أدرك فيها إمكاناته الحقيقية التي قادته إلى معانقة المجد والنجاح في السنوات اللاحقة، قبل أن يُتوّج طموحُه وجهدُه وإصرارُه بالميدالية الذهبية في تخصص 5000 متر خلال البطولة الوطنية الإسبانية ومن ثم بطولة أوروبا الصيف المنصرم.

وبينما يستحضر العداء البالغ من العمر 27 ربيعاً ذكريات ذلك التتويج التاريخي الذي دوَّن من خلاله اسمه بين عمالقة هذا التخصص، ترتسم على محيّاه ملامح الفرحة المتجدِّدة التي يكاد يذرف معها دموع المُكافح المبتهج بإنجازه على غرار تلك الدموع التي انهمرت من عينيه مساء يوم 10 يوليو في الملعب الأولمبي بالعاصمة الهولندية، حين تحقَّق من فوزه بعد الاحتكام إلى صورة خط النهاية، حيث قطع المسافة في زمن قدره 13:40.85 متفوقاً على صديقه عادل مشعل، وهو بدوره عداء إسباني من أصول مغربية، فيما حل الألماني ريتشارد رينجبر ثالثاً.

ويقول فيفا وهو يتذكر ما عاشه ذلك اليوم وما تبادر إلى ذهنه بعدما فاجأ الجميع من خلال لحاقه بكوكبة المقدمة بفضل السرعة النهائية، التي لا تُعتبر بالضرورة من أبرز ميزاته: "بكل صراحة، لم أستطع النوم تلك الليلة، لا أنا ولا أفراد عائلتي. ظلت لحظة اعتلائي منصة التتويج حاضرة بقوة في ذهني طيلة تلك الليلة، فوجدت نفسي أستعيد شريط كل الأشواط التي قطعتها في الطريق إلى ذلك الإنجاز، حيث تذكرت كل الجهود التي بذلتها والتضحيات التي قدمتها واستحضرت جميع الأشخاص الذين ساعدوني في سبيل الوصول إلى المستوى الذي مكنني من هذا الفوز، وتبادرت إلى ذهني بشكل خاص صورة والديَّ ومدربي وزملائي الذين ساندوني في التدريبات طوال المشوار".

بين خيبة أمل ريو والتطلع إلى المستقبل

لكل جواد كبوة، كما يُقال. وكبوة إلياس جاءت في عروس المسابقات عندما أخفق في التأهل إلى النهائي خلال الألعاب الأولمبية الصيف الماضي. وبدل التماس الأعذار والتهرب من المسؤولية، تقبل عداء نادي برشلونة فشله بكل روح رياضية، معترفاً بأخطائه التي حرمته من نيل فرصة تاريخية لمقارعة عمالقة المسافة في ريو 2016، وعلى رأسهم البريطاني محمد فرح والأمريكي بول تشيليمو والإثيوبي هاجوس جيبرهيويت، الذين احتلوا تباعاً المراكز الثلاثة الأولى، فضلاً عن البحريني ألبرت كيبيتشيي روب وأقوى العدائين الأفارقة في مسافة 5000 متر.

وأفصح إلياس عن سر إخفاقه الأولمبي بالقول: "ارتكبت خطأ كبيراً عندما تركت الخوف يتملكني والارتباك ينال مني، خاصة بعدما نظرت إلى لائحة خصومي في نصف النهائي ووجدت أنني سأنافس بعضاً من أكبر العدائين العالميين المرشحين لصعود منصة التتويج. حينها قلت في قرارة نفسي إنني لن أتمكن من القيام بسباق سباق جيد والصمود أمام عدائين يتفوقون عليّ من حيث الأداء ويفوقونني خبرة في المنافسات الكبرى".

ولا يزال فيفا يحاول هضم مرارة تلك التجربة، متطلعاً في الوقت ذاته إلى بطولة أوروبا المقبلة وبعدها بطولة العالم، قبل أن ينصب تركيزه على أولمبياد طوكيو 2020، التي يتمنى أن يبلغ فيها ذروة مسيرته الرياضية. وقال ابن "مدينة البوغاز" في ختام المقابلة "أنا أدرك أنه كان خطأ فادحاً، ومازلت أعاتب نفسي عليه حتى الآن"، في إشارة إلى الخطة التكتيكية التي خاض بها سباق نصف النهائي في ريو"، مضيفاً أن "مدربي يحثني دائماً على عدم الوقوع في فخ الارتباك والخوف كلما حان الوقت لخوض سباق مهم. وعلى أي حال، كانت المشاركة في أولمبياد ريو فرصة للخروج بدروس مفيدة واكتساب تجربة من شأنها أن تنفعني في المستقبل".